أخبار وطنية بسبب هذه الخلافات: تواصل تعثُّر مشروع القرار الأممي التُّونسي ـ الفرنسي حول جائحة كورونا.. بقلم الخبير الأممي عبد الوهاب الهاني
بقلم الخبير الأممي عبد الوهاب الهاني
تواصل تعثُّر مشروع القرار الأممي التُّونسي ـ الفرنسي حول جائحة كورونا.. حيثُ يتبنَّى مشروع القرار، المطروح للنِّقاش منذ أسابيع منذ أواخر مارس، نداء الأمين العام للأمم المُتَّحدة بإعلان وقف إطلاق نار إنساني في كُلِّ الحروب والنِّزاعات المُسلَّحة القائمة، ويدعو إلى تعزيز التَّعاون الدُّولي لمواجهة الوباء..
فلا يزال الصِّدام مُحتدًّا منذ أسابيع بين الصِّين والولايات المُتَّحدة الأمريكيَّة وهما دولتان دائمتا العُضويَّة في مجلس الأمن يكمن أن يستعملا حقَّ النَّقض الفيتو.. حيث تُصرُّ الصِّين على إضافة فقرة حول الدَّور المحوري لمُنظَّمة الصِّحَّة العالميَّة في حين ترفض الولايات المُتَّحدة الأمريطيَّة رفضا قاطعا أيَّة إشارة إيجابيَّة لدور الوكالة الأمميَّة المختصَّة بعد أن انسحبت من تمويلها وتقود حملات ديبلوماسيَّة ضدَّها..
هذا بالإضافة إلى الصِّراع المفتوح بين الولايات المُتَّحدة الأمريكيَّة والاتِّحاد الرُّوسي حول موضوع رفع العقوبات الاقتصاديَّة والجزاءات الأمميَّة والإجراءات الزَّجريَّة الأُحاديَّة (وأغلبها أمريكيَّة ضدَّ دول أخرى، من بينها روسيا) لتمكين الدُّول المعنيَّة من مجابهة الجائحة..
ولم تُفض مشاورات أمس، الثُّلاثاء 5 ماي بتوقيت نيويورك، الَّتي أشرف عليها السَّفيران التَّونسي سعادة السَّفير قيس القبطني (Kais Kabtani) ونظيره الفرنسي نيقولا دو ريفيار (Nicolas de Rivière) إلى زحزحة المواقف رغم النِّداء الَّذي توجَّه به السَّفيران لإيجاد مخرج للأزمة والبحث عن صيغة توافُقيَّة تُرشي كُلَّ الأطراف..
ونقلت وكالات النباء عن السَّفير القبطني أنَّ "الوقت حان لإنهاء المُشاورات حول مشروع القرار"، في حين دعى السَّفير دو ريفيار أنَّ "المرحلة القادمة هي مواصلة النِّقاش للوصول إلى أفضل توافق ممكن وأنَّ على المجلس الفعل الآن"، في تمهيد ديبلوماسي لتقديم التَّنازُلات من طرف رُعاة المشروع تونس وفرنسا وانتزاع قرار اُمَمي حتَّى وإن كان ضعيفا، بعد أسابيع طويلة من تعثُّر المُفاوضات..
ويبرز هدا التَّوجُّه من تصريح السَّفيرين والرَّغبة بعدم عزل أيِّ طرف سواء الصِّين أو الولايات المُتَّحدة الأمريكيَّة وجرِّه لاستعمال حق النَّقض، حتَّى ولو على حساب ضعف المضمون.. وهي خيارات مشروعة للمُفاوضين، إمَّا الحرص على الوفاق أو الحرص على المضمون مع ضمان أغلبيَّة مُريحة بأكثر من تسعة أصوات على خمسة عشر والمرور للجمعيَّة العامَّة للأمم المُتَّحدة..
فلا فرنسا ولا تونس من مصلحتهما الآن الاصطفاف وراء طرفي الصِّراع الأمريكي ـ الصّيني الحاد حول الجائحة وأسبابها ومسبِّباتها وطرق معالجتها.. أَيُّ اصطفاف وراء هذا الطَّرف أو ذاك سيُقرأُ جيواستراتيجيًّا وستكون له نتائج على إعادة تشكُّل مراكز الثِّقل والقُوى في العالم بعد الجائحة..
فالأمر أكبر من مشروع قرار حول كورونا، ويتطلَّب الـتَّروِّي وهو ما يدركه الدِّيبلوماسيُّون المُفاوضون في نييوروك، وقد لا يدركه بعض صُنَّاع القرار في العاصمة..
وقد كانت تونس، الَّتي تشغل مقعدا غير دائم في المجلس لسنتي 2020ـ2021، بادرت، منذ نداء الأمين العام، بعرض مشروع قرار تحمَّست له أغلب الدُّول العشرة غير دائمة العُضويَّة رغم تلكُّؤ جنوب إفريقيا في البداية، ولكن لم يُكتب له النَّجاح نظرا لصراع الدُّول دائمة العُضويَّة وأساسا الصّين والولايات المُتَّحدة الأمريكيَّة وروسيا، بالإضافة إلى تقديم فرنسا لمشروع قرار موازي رغبة في الحفاظ على مجموعة الخمسة دائمة العُضوَّة على الرِّيادة.. قبل أن يتمَّ دمجُ المبادرتين وتقديم مبادرة مشتركة تونسيَّة ـ فرنسيَّة رسميًّا..
وكان المجلس اجتمع أواسط أفريل في جلسة مغلقة سابقة إلى الأمين العام للأمم المُتَّحدة، أفضت إلى بلاغ إعلامي مقتضب ومحتشم حول إحاطة الأمين العام.. ويطرح مشروع القرار التُّونسي ـ الفرنسي أكبر تحدٍّ على الدّبلوماسيَّة التُّونسيَّة في تاريخها المُعاصر، من حيث تناغم مواقفنا الثُّنائيَّة في النِّزاعات القائمة، وبالأخصِّ على حدودنا الجنوبيَّة مع مبادرتنا مُتعدِّدة الأطراف وخاصَّة مُبادراتنا الأمميَّة..
فقد جرت الأعراف الدُّوليَّة على التزام الدُّول الرَّاعية لمشاريع القرارات الأمميَّة بما تدعو إليه غيرها.. ولكنَّ المباردة التَّونسيَّة ـ الفرنسيَّة لتبنِّي وقف إطلاق نار إنساني تصطدم تونسيَّا بانقسام كبير في المواقف السِّياسيَّة بين مُساندين لتواصل الحرب في ليبيا.. حيثُ يصطَفُّ وينقسم التَّحالف الحكومي وحتَّى التَّحالف النِّيابي المُتعارضان والحاكمان في آن في تونس بين مُؤيِّد ومعارض لحكومة الوفاق الحائزة على اعتراف الشَّرعيَّة الإقليميَّة والدُّوليَّة في صراعها مع قوَّات المُشير المُتقاعد خليفة حفتر، في حرب تدور رحاها وتشتعل نيرانها على مرمى حجر على بُعد أمتار معدودات من تخوم الوطن..
ولا أحد من أحزاب التَّحالف الحكومي والتَّحالف النِّيابي الحاكمان عذَّل أوتاره على المبادرة التُّونسيَّة في مجلس الأمن الَّتي قدَّمتها تونس بتوجيه من رئاسة الجُمهوريَّة وتنفيذ من وزارة الخارجيَّة..
وسيكون على رئيس الجمهوريَّة قيْس سْعَيِّد وعلى مُؤسَّسة رئاسة الجمهوريَّة رعاية تنسيق المواقف داخل التَّحالف الحاكم وخارجه لضمان أكبر سند ممكن للمواقف الرَّسميَّة للدَّولة التُّونسيَّة الرَّاعية لمشروع قرار أُممي تونسي ـ فرنسي والدَّاعية لتبنِّي وقف إطلاق نار إنساني عاجل للسَّماح للبلدان الموبوئة بالحروب بمواجهة جائحة الوباء، وعلى رأسها الجارة الشَّقيقة ليبيا والشَّقيقة اليمن والشَّقيقة سوريا والشَّقيقة السُّودان والشَّقيقة الصُّومال والأُخت الكُبرى فلسطين الَّتي ترزح تحت نير الاحتلال العسكري الاستيطاني الإسرائيلي طويل المدى، وخاصَّة وأنَّ بلادنا ترأس جامعة الدُّول العربيَّة في مستوى القِمَّة..
اللَّهُمَّ احفظ بلادنا وجيراننا ومغربنا وقارَّتنا وعروبتنا وأُمَّتنا الإسلاميَّة وإنسانيَّتنا جمعاء من هذا الوباء..